غزة / رمزي محمود / الأناضول
متحدث جهاز الدفاع المدني، محمود بصل، في مقابلة مع الأناضول:
- أكثر من 8 آلاف مفقود لا يزالون تحت الأنقاض، وانتشالهم بالإمكانات الحالية قد يستغرق نحو 8 أعوام
- قرابة مليون مهمة نفذتها الطواقم خلال 3 أعوام، بما يعادل نحو 60 عاما من العمل في الظروف الاعتيادية
- إسرائيل قتلت 148 من عناصر الدفاع المدني وأصابت أكثر من 300، ودمرت 14 مركزا للجهاز من 16
- قرابة 4 آلاف مفقود تحت أنقاض مناطق خلف "الخط الأصفر" التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي
- بعض المفقودين ظلوا أحياء تحت الركام قبل أن يموتوا جوعا أو عطشا أو اختناقا لتعذر الوصول إليهم
تحت أنقاض آلاف المنازل والمباني المدمرة في قطاع غزة، لا يزال أكثر من 8 آلاف فلسطيني مفقودين، فيما يقف جهاز الدفاع المدني أمام مهمة "قد تستغرق 8 أعوام" لانتشالهم بعدما دمرت إسرائيل خلال الإبادة الجماعية 90 بالمئة من مركباته ومقدراته.
وبين هؤلاء المفقودين أشخاص يقول الدفاع المدني إنهم ظلوا أحياء لبعض الوقت تحت الركام، لكن نقص المعدات حال دون الوصول إليهم، قبل أن يموتوا جوعا أو عطشا أو اختناقا.
وبعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار، لم تتغير الصورة كثيرا بالنسبة إلى الجهاز الذي لم تصله معدات جديدة، فيما تعمل طواقم أنهكتها 3 أعوام من القصف والإنقاذ وانتشال الضحايا بإمكانات "أشبه بالعدم".
في مقابلة مع الأناضول، يقول متحدث الجهاز محمود بصل إن الجيش الإسرائيلي قتل خلال حرب الإبادة 148 من عناصر الدفاع المدني وأصاب أكثر من 300 آخرين، ودمر بالكامل 14 مركزا للجهاز من أصل 16.
ويضيف: "بعد عام من اتفاق وقف إطلاق النار، لم يتم تزويد الدفاع المدني بأية معدات"، مستدركا: "بالعكس، الأمور تتفاقم والمعاناة تزداد".
ومنذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتلت إسرائيل 74 ألفا و243 فلسطينيا في غزة، وأصابت 175 ألفا و232 آخرين، ودمرت نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 أعلن في غزة عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين حركة "حماس" وإسرائيل التي تنتهكه يوميا.
ولم تبدأ أزمة الدفاع المدني مع حرب الإبادة، إذ يقول بصل إن الجهاز كان يعاني قبلها نقصا واضحا في المعدات، فيما كانت مركباته "متهالكة جدا"، رغم المناشدات المتكررة للمجتمع الدولي لتزويده بمركبات متخصصة ومعدات جديدة.
ويضيف أن بعض الجهود اقتصرت على ترميم المركبات وإعادة تأهيلها محليا بدعم خارجي، لكنها "لم تكن كافية لإعادة تأهيل المنظومة المتهالكة من الأساس"، ما جعل الطواقم تدخل حرب الإبادة بإمكانات محدودة.
مليون مهمة
لكن القصف الإسرائيلي الكثيف والمتزامن في مختلف مناطق القطاع دفع منظومة الدفاع المدني منذ الأيام الأولى إلى حالة انهيار أكبر.
ويوضح بصل: "نتحدث عن قرابة مليون مهمة خرجت فيها طواقم الدفاع المدني خلال 3 أعوام من الحرب".
وشملت المهام عمليات إنقاذ وإسعاف وإطفاء حرائق ووصول إلى مبان مستهدفة وبحث عن ضحايا وانتشالهم.
وبحسب بصل، فإن حجم العمل الذي تحملته الطواقم خلال تلك الفترة "يعادل مهام عشرات السنين، وربما يقارب 60 عاما من العمل في الوضع الاعتيادي".
ويذكر أن مئات نداءات الاستغاثة كانت تصل يوميا، حتى إن بعض الطواقم كانت تغادر لتنفيذ مهمة ثم تنتقل مباشرة إلى أخرى دون العودة إلى مراكزها.
"نعمل من العدم"
ورغم ذلك، يقول بصل إن المعضلة لم تكن في استعداد عناصر الدفاع المدني للمخاطرة، بل في افتقارهم إلى الأدوات التي تمكنهم من إنقاذ من ينتظرونهم تحت الأنقاض.
ويضيف: "نعمل من العدم، في ظل حالة انهيار كبيرة جدا وانعدام في المقدرات والإمكانات".
وفي بعض الحالات، كانت الطواقم تصل إلى المواقع المستهدفة سيرا على الأقدام أو بمركبات متهالكة يمكن أن تتوقف في أي لحظة.
ويقول إن "الفارق هو سرعة الاستجابة والقدرة على إنقاذ المواطن"، مضيفا: "طالما لا توجد مقدرات كافية ولا معدات قادرة على التعامل، إذن ستكون النتيجة كارثية".
"نعرف أنهم هناك"
لكن أكثر ما بقي عالقا في ذاكرة بصل لم يكن مشهد الدمار وحده، بل اضطرار فرق الإنقاذ إلى مغادرة مواقع تعرف أن ضحايا ما زالوا تحت أنقاضها.
يقول بحسرة: "قمة الوجع أن تخرج من المكان دون أن تخرج الضحايا من تحت الأنقاض، وأن يكتب في قوائم وسجلات عمليات الدفاع المدني أن هذه البناية يوجد تحت أنقاضها ضحايا، وتؤجل عملية الانتشال إلى أن تدخل المعدات".
وفي بعض الحالات، كانت هناك مؤشرات إلى وجود أشخاص أحياء تحت الركام، دون أن تستطيع الطواقم الوصول إليهم.
وبحسب بصل، أظهرت حالة بعض الجثامين عند انتشالها لاحقا أن أصحابها ظلوا على قيد الحياة لفترة قبل أن يموتوا جوعا أو عطشا أو خنقا.
"8 آلاف ينتظرون"
واليوم، لا يزال أكثر من 8 آلاف مفقود تحت ركام المنازل والبنايات المدمرة في أنحاء غزة، وفق بصل.
وخلال الشهور الماضية، تمكنت الطواقم من انتشال رفات قرابة ألف مفقود ضمن مرحلتين من "مشروع انتشال جثامين الشهداء".
لكن بطء العمل دفع بعض العائلات إلى البحث عن أبنائها بنفسها، مستخدمة أدوات بدائية والأيادي لرفع الركام وانتشال الجثامين.
ويقول بصل إن المأساة تتجاوز ذلك إلى أسر كاملة قتلت ودفنت تحت أنقاض منازلها، دون أن يبقى أحد من أفرادها للإبلاغ عنها أو تحديد عدد ضحاياها، مبينا أن أسرا بأكملها "مسحت من السجل المدني".
وبحسب بصل، فإن انتشال نحو ألف مفقود بالإمكانات الحالية يعني أن إغلاق الملف يحتاج إلى قرابة 8 أعوام.
أما إذا دخلت المعدات الثقيلة اللازمة للحفر والانتشال، فيقول إن المدة يمكن أن تنخفض إلى نحو عام واحد.
خلف "الخط الأصفر"
ولا يستطيع الدفاع المدني حتى بدء البحث عن آلاف آخرين في المناطق الواقعة خلف "الخط الأصفر" التي لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر عليها.
ويقدر الجهاز وجود قرابة 4 آلاف مفقود تحت أنقاض ما بين 200 و300 منزل في تلك المناطق.
ويقول بصل إن الوصول إليهم يتطلب "تنسيقا أمميا على أعلى المستويات مع قوات الاحتلال".
وتزداد المهمة تعقيدا بعدما أجرى الجيش الإسرائيلي عمليات تحريك وإزالة للركام غيرت معالم بعض المناطق وجغرافيتها.
ويقول بصل إن ذلك تسبب في "فقدان رفات وجثامين شهداء كثر، وتعقيد عمليات البحث مستقبلا".
عام بلا معدات
وكان الدفاع المدني يأمل أن يسمح وقف إطلاق النار بإعادة بناء جزء من قدراته المنهارة، لكن عاما كاملا مر دون أن يتلقى الجهاز أي معدات.
كما تغيرت طبيعة مهمته، فبعدما انصب عمله خلال الإبادة على "الإطفاء والإنقاذ والإسعاف"، أصبح انتشال الجثامين من تحت الركام عبئا رئيسيا يضاف إلى مهامه.
ويقول بصل إن ذلك يحدث في وقت تعمل فيه الطواقم "بدون مقدرات حقيقية، وفي ظل تقليص وتراجع المنظومة بشكل كبير".
ويوجه بصل نداء إلى المجتمع الدولي قائلا: "نحن أمام كارثة حقيقية (..) يجب أن يتحرك العالم أجمع بكل مكوناته لإغاثة الناس في غزة وتخفيف المعاناة عن المواطن، وأن يتم معاملته كسائر الشعوب".
ويقول بصل إن الدفاع المدني قبل الحرب كان يعاني نقصا واضحا في المقدرات، وكانت مركباته "متهالكة جدا"، رغم المناشدات المتكررة للمجتمع الدولي من أجل دعمه.
ويتابع: "كنا نمرر هذه الأيام بما هو متوفر مع طواقمنا، وكنا نناشد، لكن بكل أسف لم تصل أية مقدرات من الخارج".
ويوضح أن بعض الجهود اقتصرت على ترميم المركبات وإعادة إنتاجها محليا بدعم خارجي، لكنها "لم تكن كافية لإعادة تأهيل المنظومة المتهالكة من الأساس".
ويشير إلى أن طواقم الجهاز كانت تتعامل مع الأزمات اليومية بما هو متوفر لديها، في وقت كان فيه قطاع غزة يتعرض بصورة متكررة لأزمات وحوادث تتطلب تدخلا.